*رسالة مهمة وعاجلة إلى طالب علم صار عسكريا بحجة الجهاد*
.* بسم الله الرحمن الرحيم .*
الحمد لله الذي رفع أهل العلم درجات وجعل العلماء ورثة الأنبياء وحملة شريعته إلى عباده والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بعثه الله معلما وهاديا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فبين الحين والآخر أسمع عن بعض إخواننا من طلاب العلم أنهم تركوا مجالس العلم وسجلوا في العسكرة بحجة الجهاد ومحاربة الحوثي. ثم أرى بعض من كنا نعرفهم طلاب علم يزاحمون بالركب في حلق العلماء ويحملون الكتب ويحفظون المتون وقد صار اليوم عسكريا كبيرا أو قائدا أو صاحب رتبة تدار الكاميرا أمامه يتحدث بمنصبه ورتبته وربما بدا عليه الفخر بما وصل إليه.
والله لقد حز ذلك في نفسي وآلمني وأثار في قلبي سؤالا كبيرا: أين طالب العلم الذي كنا نعرفه؟ أين ذلك الرجل الذي كان يرجى أن يكون عالما أو معلما أو داعية يحمل ميراث النبوة إلى الناس؟ كيف انتقل همه من الكتاب والدرس والمسألة والدليل إلى الرتبة والمنصب واللواء والأوامر والتحايا العسكرية؟
ولست أكتب هذه الكلمات شماتة بأحد ولا انتقاصا من شخص ولا طعنا في نيات إخواننا وإنما هي كلمة ناصح مشفق لمن عرف بعض هؤلاء يوم كانوا في طريق الطلب ويعلم أن كثيرا منهم كانت بدايته نصرة الدين والنكاية بالحوثي. ولكن العبرة ليست بالبدايات وحدها وإنما بالخواتيم والثبات على الطريق.
وقد وقفت أمام ثلاث آيات عظيمة أرى أن طالب العلم أحوج ما يكون إلى أن يضعها أمام عينيه كلما دعته الدنيا إلى ترك ثغر العلم الذي فتحه الله له:
قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.
وقال سبحانه: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾.
وقال عز وجل: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب﴾.
هذه الآيات ينبغي أن تهز قلب كل طالب علم. فهذا طريق رفعة بالعلم وهذا تحذير من الافتتان بزهرة الدنيا وهذه عاقبة مخيفة لمن أوتي من آيات الله ثم أخلد إلى الأرض.
ومن هنا كانت هذه الرسالة إلى إخوان أحببناهم وعرفناهم في مجالس العلم وإلى طلاب العلم الجدد قبل أن تسحبهم العسكرة شيئا فشيئا بعيدا عن الطريق الذي بدأوه.
*فأقول مستعينا بالله:*
يا طالب العلم الذي عرفت حلق العلم وزاحمت العلماء والطلاب بالركب وحفظت المتون ودرست العقيدة والحديث والفقه ثم تركت ذلك كله لتصبح عسكريا تتدرج في الرتب والمناصب قف مع نفسك وقفة صدق واسألها: إلى أين؟
إنها خسارة عظيمة لطالب العلم أن يستبدل بوظيفته في التعليم والدعوة وظيفة كان يستطيع القيام بها غيره. وهذا إذا سلمنا أن العمل العسكري الذي دخل فيه خال من المخالفات الشرعية فكيف إذا أحاطت به المخالفات من كل جانب؟
لقد كان السلف يخافون من المناصب ويفرون من الولاية والقضاء مع شرف القضاء في نفسه لما يعلمون من ثقل المسؤولية وفتنة الجاه والسلطان. فكيف بمن كان بالأمس يحمل كتابه ويجلس عند أقدام العلماء ثم أصبح همه الرتبة واللواء والمنصب والتحية العسكرية والأوامر والنواهي؟
والمؤلم الذي يدمي القلب أن نرى بعض من عرفناهم في الصفوف الأولى ومزاحمة الركب في طلب العلم في دماج والجوبة وغيرها قد تغيرت بهم الحال. كان أحدهم يعرف بين الناس بطلب العلم والدعوة فإذا به اليوم يعرف برتبته العسكرية ويتباهى بمنصبه وربما وقف أمام الكاميرا ليصور بلباسه ورتبته وربما قصر لحيته ولبس ما لم يكن يرضاه لنفسه أيام الطلب.
بدأ بعضهم بقصد نكاية الحوثي ونصرة المسلمين ثم طال به الطريق فتحول الأمر من مشاركة عارضة إلى وظيفة ورتبة وتنظيم عسكري وحياة كاملة حتى ضعف نصيبه من العلم وقل حضوره في مجالس العلماء وربما أصبح لا يرفع بالعلم رأسا بعد أن كان العلم أعظم همومه وصار يحفظ أسماء الرتب والأوامر والتحايا أكثر مما يراجع مسائل العلم التي أفنى فيها سنوات من عمره.
يا من كنت طالب علم أخبرني بصدق: لو فاجأك الموت اليوم فأي الحالين كنت تتمنى أن تلقى الله عليها؟ حالك يوم كان كتابك في يدك وركبتك عند ركبة شيخك وهمك حفظ دين الله وتعليمه للناس أم حالك اليوم وقد استغرقتك الرتب والمناصب والعسكرة؟
ولا تخلط بين الجهاد وبين اتخاذ العسكرة مهنة وحياة. فقد تدعو الحاجة إلى القتال فيخرج طالب العلم مجاهدا متطوعا ينصر المسلمين ثم يعود إلى ثغره من العلم والتعليم والدعوة. وهذا أقرب إلى سلامة المقصد من أن يتحول الجهاد عنده إلى راتب ورتبة ومنصب ومسار دنيوي لا يعرف له نهاية.
وكم لبس الشيطان على أناس من باب العمل للإسلام ثم نقلهم خطوة بعد خطوة حتى انقطعت صلتهم بالعلم وأهله وصاروا بعد سنوات من عامة الناس بعدما كان يرجى أن يكونوا علماء ودعاة ينفع الله بهم الأمة.
يا طالب العلم إن ثغرك عظيم. الأمة تحتاج من يعلمها التوحيد والسنة والحلال والحرام ويرد عنها الشبهات ويربي أبناءها على الدين. آلاف يستطيعون حمل السلاح ولكن كم فيهم من يستطيع أن يحمل ميراث النبوة ويعلم الناس دين الله على بصيرة؟
ويا طالب العلم الجديد لا تجعل حماسك اليوم يضيع عليك مستقبلك في العلم. إن احتاج المسلمون إليك في قتال مشروع فشارك بما تبرأ به ذمتك ثم عد إلى علمك ولا تجعل ظرفا عارضا يسرق منك العمر كله.
واحذر فتنة الدنيا والجاه والمنصب. واقرأ بتدبر قول الله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب﴾.
ولا أنزل هذه الآية على شخص بعينه ولكن العاقل يخاف على نفسه من العبرة التي فيها: أن يكون قد أوتي شيئا من العلم ثم يخلد إلى الأرض بعدما كان طريق الرفعة مفتوحا أمامه.
يا طالب العلم راجع نفسك قبل أن تمضي السنوات ثم تلتفت وراءك فتجد أنك أضعت العلم ولم تحصل من الدنيا إلا رتبة تزول ومنصبا يذهب واسما عسكريا ينساه الناس.
ارجع إلى كتابك وإلى علمك وإلى الدعوة التي كنت تعرف بها. فما أجمل أن تموت وأنت تعلم الناس دين الله وما أشد الحسرة أن تبيع سنوات الطلب لأجل دنيا مهما عظمت فإنها إلى زوال.
هي الدنيا يا طالب العلم فلا تغرنك.
﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾.
✍🏻 وكتبه/
أبو المنذر عمار الحوباني19/ ربيع الأول/1448من هجرة النبي ﷺ.































































