أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوى أو لرشوة أو لخوفٍ أو لمصلحةٍ دنيوية، مع إقراره بوجوب الحكم بما أنزل الله واعترافه بخطئه، فهذا كفر أصغر لا يخرج من الإسلام، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما: كفر دون كفر.
ومن أدلة هذا التفصيل أن الله تعالى فرّق في سورة المائدة بين ثلاثة أوصاف لمن لم يحكم بما أنزل الله؛ فقال في الآية 44:*﴿ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤ ﴾* ، ثم في الآية 45:*﴿ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥ ﴾* ، ثم في الآية 47: *﴿ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤٧ ﴾* ، فدلّ اختلافُ الخواتيم على تنوّع أحوالهم ودرجات ذنبهم؛ فمنهم الكافر الكفر الأكبر، ومنهم من ظَلَم بترك الحقّ، ومنهم من فَسَق بمعصية دون كفرٍ مخرج، وهذا التفصيل هو منهج السلف في فهم النصوص، جمعًا بين الدلائل، وتوفيقًا بين نصوص الوعيد والإيمان.
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ:*«تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ»* رواه البخاري، برقم: (18)، ومسلم، برقم: (1709).
فجعل ﷺ أمر العصاة راجعًا إلى مشيئة الله، ولم يخرجهم من الإسلام، وهذا يهدم أصل الخوارج من أساسه.
فمذهب السلف: أن الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، فلا يزول كله بذنب غير الشرك، بخلاف قول الخوارج الذين جعلوا الذنب ناقضًا للإيمان جملةً.
*فالحاصل:* أن الخلل عند الخوارج منهجي في الفهم قبل أن يكون في النية، إذ لم يردّوا المتشابه إلى المحكم، فحملوا نصوص الوعيد على غير وجهها، وظنّوا أن الوعيد يقتضي الكفر المطلق، فزلّت أقدامهم في أصل الدين، ولو جمعوا بين النصوص كما فعل السلف لعلموا أن الكبيرة لا يُخرج صاحبه من الإسلام، وأن الحكم بالكفر لا يُطلق إلا بشروط وضوابط بيّنها العلماء.
وهكذا كان انحرافهم في باب التكفير منشأ فسادهم كلّه، حتى سفكوا الدماء واستباحوا المحرّمات بزعم تحكيم الشريعة، وما خالفوا الشريعة إلا من حيث لا يشعرون.
وعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ قال: قال رسول الله ﷺ:*«أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ»* أخرجه مسلم، برقم: (185).هذا الحديث أصل في إثبات الشفاعة، وخروج عصاة الموحدين من النار، وهو ردٌّ واضح على الخوارج الذين أنكروا الشفاعة للمذنبين، وجعلوا مرتكب الكبيرة خالدًا في النار، فعارضوا نصوص الرحمة والفضل، وجعلوا الله لا يغفر لمن يشاء، فكان مذهبهم أقرب إلى القنوط من رحمة الله منه إلى العدل.
*والخلاصة:* انحراف الخوارج في باب التكفير هو من أعظم انحرافاتهم وأخطرها على الأمة، لأنه الباب الذي جرّهم إلى سائر الضلالات: سفك الدماء، والطعن في العلماء، والخروج على الأئمة. وقد جمع النبي ﷺ حقيقتهم في قوله:*«يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»* أخرجه البخاري، برقم: (3610)، ومسلم، برقم: (1064) عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ.
فمن لم يضبط باب التكفير بضوابط الشرع وقع فيما وقعوا فيه، ولو تسمّى بغير اسمهم، والنجاة من هذا الانحراف لا يكون إلا بالتعلم عن العلماء، والرجوع إلى فهم السلف، والتثبت في إطلاق الأحكام على الناس، إذ الخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في التكفير.
📖 من كتاب:إعلان النكير على جماعة التفجير والتكفير
📄 الصفحة: 6📖
الأحد، 16 أغسطس 2026
(118)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
(117)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
قال شيخنا عمار الحوباني
📖 في كتاب: إعلان النكير على جماعة التفجير والتكفير📖
*انحراف الخوارج في باب التكفير*
من أخطر انحرافات الخوارج وأشدها أثرًا على الأمة انحرافهم في باب التكفير، وهو أصل فسادهم ومنشأ ضلالهم، فقد أخطأوا في فهم النصوص المتعلقة بالكفر والإيمان، وجمعوا بين الجهل والغرور، فغلوا في الدين حتى كفّروا المسلمين بالذنوب والمعاصي، واستحلّوا دماءهم وأموالهم باسم: تحكيم الشريعة، وقد بيّن العلماء أن الخوارج لم ينكروا وجود النصوص، ولكنهم أخطأوا في تأويلها وفهمها، فحمّلوها ما لا تحتمل، وأخرجوا الناس من الإسلام بغير برهان.
*أولًا: أصل انحرافهم في فهم الكفر والإيمان:*
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: *«أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ- بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»* أخرجه البخاري، برقم: (1237)، ومسلم، برقم: (94).
في هذا الحديث بيان أن من كان معه أصل التوحيد لا يخرج من الإسلام بذنبه ما دام لم يستحلّه، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يزول بالذنب وحده، وقد خالف الخوارج هذا الأصل، فجعلوا مرتكب الكبيرة كافرًا مخلّدًا في النار، وردّوا نصوص الوعد كلّها، فغلوا في فهم الوعيد وجعلوه دليلًا على الكفر.
فأصل ضلال الخوارج أنهم لم يفرّقوا بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، ولا بين أصل الإيمان وكماله الواجب، فاعتقدوا أن الإيمان شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأن الذنب يناقض الإيمان من أصله، فصاروا يُكفّرون أهل الكبائر ويُخلّدونهم في النار، وهذا مناقض للكتاب والسنة وإجماع السلف.
قال الله تعالى: *﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ ﴾*[النساء: 48]، فهذه الآية صريحة أن الذنوب والمعاصي -ما لم تبلغ حد الشرك- داخلة تحت المشيئة، يغفرها الله لمن شاء، فلا تكون كفرًا مخرجًا من الملة.
وقال تعالى: *﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤ ﴾* [المائدة: 44].
وقد فسّرها ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقِلُ عَنِ الْمِلَّةِ، *﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤ ﴾* [المائدة: 44] كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، أي: ليس الكفر الأكبر المخرج من الملة، بل كفر أصغر إذا لم يستحلّ الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا من أصرح الأدلة على وجوب التفريق بين أنواع الكفر.
وقد جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تدل على أن لفظ الكفر قد يُراد به الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، وإنما هو كفر عملي أو جزئي، لا اعتقادي.ومن ذلك ما رواه الشيخان عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ أن النبي ﷺ قال:*«سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»* أخرجه البخاري، برقم: (48)، ومسلم، برقم: (64)، وليس المراد به الكفر الأكبر، إذ القاتل لا يُحكم بردّته إذا لم يستحلّ القتل.
وكذلك ما رواه البخاري، برقم: (1462)، ومسلم، برقم: (79) عن أبي سعيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما أن النبي ﷺ قال في النساء:*«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ»* أي: تجحدن حق الزوج، وهذا كفر نعمة لا كفر ملة.
ومنها حديث جَرير بن عبد الله البجلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ، أن النبي ﷺ قال:*«لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»* رواه البخاري، برقم: (121)، ومسلم، برقم: (65)، والمراد: كفارًا كفرًا عمليًا، أي: تفعلون فعل الكفار، لا الكفر الحقيقي المخرج من الإسلام، فدلّت هذه الأحاديث على أن الكفر يأتي في الشرع على معنيين: أكبر مخرج من الملة، وأصغر لا يخرج منها، فيجب حمل كل نص على ما يليق بسياقه وقرائنه.
وأيضا هذه الآية:*﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴾* [المائدة: 44]، لا تُحمل على وجهٍ واحدٍ في كل الأحوال، بل يُفرّق فيها بين من استحلّ الحكم بغير ما أنزل الله، أو رأى أن القوانين الوضعية أصلح وأعدل من الشريعة، فذلك كفر أكبر مخرج من الملة، لأنه عارض شرع الله في أصله واعتقد بطلانه، وفضّل غيره عليه، فصار فعله ردةً عن الدين، كما نصّ على ذلك ابن كثير والقرطبي وغيرهما من المفسرين.
(116)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
*خذوها قاعدة:*
حقيقة حال كثير ممن يصرون على الاحتفال بالمولد:لو ثبت أنه سنة عن رسول الله ﷺ لربما زهدوا فيه كما زهدوا في سنن ثابتة كثيرةبحجة أنها ليست فريضة!
وكم تناقش بعضهم في سنة صحيحة ثابتة، وتدعوه إلى العمل بها فيجادل ويتثاقل ويقول: ليست واجبة! فإذا جئت إلى المولد النبوي الذي لم يثبت عنهﷺولا عن أصحابه رضي الله عنهم رأيته يجادل عنه ويستميت في الدفاع عنه!
فيا للعجب!سنة ثابتة يتهاون بها وبدعة محدثة يتعصب لها. وهذه خلاصة حال أهل البدع:يثقل عليهم الاتباع ويسهل عليهم الابتداع وتشتد حميتهم للمحدثات أكثر من حميتهم للسنن
✍🏻أبو المنذر عمار الحوباني.
(115)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
قال شيخنا عمار الحوباني
*خطورة الفتوى في الرؤى بغير علم*
إن تعبير الرؤيا نوع من الفتوى، كما قال تعالى عن يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ :
*﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍۢ سِمَانٍۢ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾* [يوسف:46]،
والفتوى لا يجوز أن يتولاها إلا من توفّر فيه العلم والدراية والخشية من الله.
والعجيب أن بعض الناس يتساهل في هذا الباب تساهلًا عظيمًا، فيرى رؤيا، فيعرضها على من لا يُحسن، فيُقال له: ستموت، أو ستُطلّق، أو ستحصل على مال، فيقع في قلبه خوف أو طمع أو تشتت، وقد يُبنى على هذا التعبير قرارات مصيرية لا أصل لها، ولذلك، فإن التعبير بغير علم محرم، لأنه كذب على الله، وكذب على الرؤى، وكذب على الواقع، وسبب في إيذاء الناس وخلط أحوالهم
📖 من كتاب: الفتاوى على أسئلة الأحلام والرؤى٢٧📖
(114)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
*واصبر وما صبرك إلا بالله*
تمر بالإنسان أيام تثقل فيها نفسه وتضيق به الأسباب ويطول عليه انتظار الفرج فيأتيه هذا التوجيه الرباني﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾فلست وحدك في مواجهة أقدارك وإنما تستمد قوتك وثباتك من الله. فاستعن به إذا ضعفت والجأ إليه إذا ضاق صدرك وأحسن الظن به إذا تأخر مرادك وما كانت تشتهيه نفسك واعلم أن وراء الصبر جبرا وبعد العسر يسرا وأن الله لا يضيع عبدا تعلق به. فاصبر بالله ولله وثق أن ما اختاره لك ربك بعلمه ورحمته خير مما تختاره لنفسك.
✍🏻 أبو المنذر عمار الحوباني.
(113)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
قال شيخنا عمار الحوباني
*أوقات الرؤيا الصالحة*
لا يؤثر في الرؤيا إن كانت صالحة في التفسير كونها كانت في وقت دون آخر – هذا من حيث الأصل- إلا أن الأحلام تختلف قوتها في بعض الحالات من وقت لآخر، من هذه الحيثية فحسب، وإلا فالرؤيا تبقى رؤيا بالنظر إلى رموزها، وليس بالنظر إلى وقتها.
والتأمل في قوتها وضعفها دون النظر إلى وقتها هذا هو الأصل، إلا أن هناك أوقاتا يغلب فيها صدق الرؤيا من حيث التجربة. كما سيأتي بيانه في هذه المسائل:
📘الفتاوى على أسئلة الأحلام والرؤى
ص ٢٠📗
(112)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
قال شيخنا عمار الحوباني
*. في كتابه .*
*إتحاف الكرام بفقه الرؤى والأحلام*
*التفريق بين الرؤيا الصالحة والرؤيا الحسنة والرؤيا الصادقة:*
قد جاء الحديث بروايات مختلفة في وصف الرؤيا، فبعضها وصفها بقوله:*«الصالحة»،* وبعضها *بـ«الصادقة»*، وبعضها *بـ«الحسنة»*، وفي أغلب الأحاديث جاء التعبير بوصفها *بـ«الصالحة».*
فعن ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما- قال:*كشف رسول الله-ﷺ- الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ- ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ»*([39]).
وعن أبي قتادة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ-: عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:*«الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ»*([40]).
وعن أبي قتادة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ:*«الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ»*([41]).
وعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ-ﷺ- تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ، فَرُبَّمَا قَالَ:*«هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟».*فَإِذَا رَأَى الرَّجُلُ رُؤْيَا سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ([42]).*ولا منافاة في اختلاف هذه الألفاظ.
*
وخلاصة الجواب عن ذلك أن يقال:* إن معنى ذلك: أنها صالحة ظاهرا في رموزها، وصادقة باطنا في وضوح معناها، وسواء كان تعبيرها خيرا أو مكروها.
وجماع ذلك أنها صلاحها وصدقها يدل على استقامتها وانتظامها.
قال الكرماني -رَحِمَهُ اللهُ في شرحه على صحيح البخاري (24/94)-: «الصالحة»: هي ما صلح صورتها، أو ما صلح تعبيرها. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ في فتح الباري(12/355)-: *وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، فَالصَّالِحَةُ فِي الْأَصْلِ أَخَصُّ، فَرُؤْيَا النَّبِيِّ كُلُّهَا صَادِقَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ صَالِحَةً وَهِيَ الْأَكْثَرُ، وَغَيْرَ صَالِحَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلدُّنْيَا، كَمَا وَقَعَ فِي الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَمَّا رُؤْيَا غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ إِنْ فَسَّرْنَا الصَّادِقَةَ بِأَنَّهَا الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وَأَمَّا إِنْ فَسَّرْنَاهَا بِأَنَّهَا غَيْرُ الْأَضْغَاثِ فَالصَّالِحَةُ أَخَصُّ مُطْلَقًا.* اهـ
*وأما وصف الرؤيا بالحسنة فيكون المعنى في هذا الوصف على ثلاثة أحوال:*
*الحالة الأولى:* حسن ظاهرها في السياق.
*الحالة الثانية:* حسن وقوعها.
*الحالة الثالثة:* صدقها.
قال القرطبي -رَحِمَهُ اللهُ في المفهم-: رؤيا الحق: هي المنتظمة التي لا تخليط فيها، وقد سَمَّاها في رواية أخرى:*«الصادقة»،* وفي أخرى:*«الصالحة»*: وهي التي يحصل بها التنبيه على أمر في اليقظة صحيح، وهي التي إذا صدرت من الإنسان الصالح جزء من أجزاء النبوة، أي: خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى.
*وأما الثانية:* فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية، وهموم لازمة، ينام عليها فيرى ذلك في نومه، فلا التفات إلى هذا، وكذلك الثالثة، فإنها تحزين وتهويل، وتخويف، يدخل كل ذلك الشيطان على الإنسان في نومه ليشوش يقظته، وقد يجتمع هذان السببان، أعني: هموم النفس، وألقيات الشيطان في منام واحد، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها، والضغث: هي القبضة من الحشيش المختلط... اهـ
📝 الحواشي
[39] )) رواه مسلم، برقم : (479).
[40] )) رواه البخاري، برقم : (6984).
[41] )) رواه البخاري، برقم : (7044) ، واللفظ له، ومسلم، برقم : (2262).
[42] )) رواه الإمام أحمد في مسنده، برقم : (12385) ، وبرقم : (13698) بإسناد صحيح .
📗إتحاف الكرام بفقه الرؤى والأحلام 📄 الصفحة: 43
📘
(111)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
قال شيخنا عمار الحوباني
*. في كتابه .*
*إتحاف الكرام بفقه الرؤى والأحلام*
*إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب*
تقدم معنا حديث أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ- عن النبي -ﷺ- قال:*«إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا»* رواه مسلم، برقم : (4207).
ومعناه: إذا اقترب الزمان قيل: آخر الزمان، وقرب اقتراب الساعة حين تكثر الفتن وتشتد عواصف البلايا والمحن، وعند فقد العلماء، وقلة الحكماء، هنالك يحتار المسلم قوي الإيمان، وقد لا يميز الحق من الباطل، ولا الحلال من الحرام، فتأتي الرؤيا مبينة له.
وقيل: اقتراب الزمان هو شامل لأي زمن، وليس بآخره فحسب، فكل زمن اشتدت فيه غربة الدين وأهله يجعل الله لأوليائه الصالحين أسبابا بها نجاتهم من الفتن، ومنها الرؤيا الصالحة، فحينها يطلعهم الله من خلالها على أمور وأحوال تكون سببا للثبات على دينهم، وعلى استقامتهم ويبشرون في رؤياهم وأحلامهم التي قد تكون على ظاهرها أو بما تفسر بها بما يجلب لهم من معايشهم وأرزاقهم ما يكون لهم عونا في الوصول إلى ربهم.
فالرؤيا في آخر الزمان تسلية من الله يخص بها المؤمن التقي فيكرمه الله بها، فحري بي وبك -أيها المتعلم لهذا الفن ويا من تهتم بشأن الرؤيا- أن نكون ممن يحقق ولاية الله ونسأل الله ذلك.
*مسألة: الحكمة من كون هذا الأمر يكون في آخر الزمان:*
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللهُ في فتح الباري (12/405)-: فَالْمَعْنَى: *إِذَا اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقُبِضَ أَكْثَرُ الْعِلْمِ وَدَرَسَتْ مَعَالِمُ الدِّيَانَةِ بِالْهَرْجِ وَالْفِتْنَةِ فَكَانَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ الْفَتْرَةِ مُحْتَاجِينَ إِلَى مُذَكِّرٍ وَمُجَدِّدٍ لِمَا دَرَسَ مِنَ الدِّينِ كَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ تُذَكَّرُ بِالْأَنْبِيَاءِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَصَارَ الزَّمَانُ الْمَذْكُورُ يُشْبِهُ زَمَانَ الْفَتْرَةِ عُوِّضُوا بِمَا مُنِعُوا مِنَ النُّبُوَّةِ بَعْدَهُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ الْآتِيَةِ بِالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ. اهـ*
وقال ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ في مدارج السالكين (1/81)-:*وهي عند اقتراب الزّمان لا تكاد تخطئ، كما قال النّبيُّ -ﷺ-. وذلك لبعد العهد بالنُّبوّة وآثارها، فيعوَّض المؤمنون بالرُّؤيا.*
وأمّا في زمن قوّة نور النُّبوّة، ففي ظهور نورها وقوّته ما يُغني عن الرُّؤيا. ونظير هذا: الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصّحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَم-، ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوّة إيمانهم، واحتياجِ مَن بعدهم إليها لضعف إيمانهم. وقد نصَّ أحمد على هذا المعنى. اهـ
وقال السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ في جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» (1/296)-: إِذَا اقْتربَ الزَّمانَ كثُر لبْسُ الطيالسة، وكثرتْ التجارةُ، وكثرت المالُ، وعُظِّم ربُ المالِ لمالِه، وكثُرتْ الفاحِشَة، وكانَتْ إِمارةُ الصِّبْيان، وكَثُر النّساءُ، وجارَ السلطانُ، وطفِّفَ في المكْيال والميزان، ويربى الرجلُ جروًا خيرٌ له من أنْ يرّبى ولدا له، ولا يُوقِّر كبيرٌ ولا يُرْحمُ صغيرٌ، ويكْثر أولادُ الزّنا، حتى إنَّ الرجلَ ليَغْشَى المرأةَ على قارعةِ الطَّريِقِ، ويلبسون جُلودَ الضَّأن على قُلوبِ الذِّئابِ أمثلهُم في ذلك الزَّمانِ المدَاهِنُ. اهـ
📘*إتحاف الكرام بفقه الرؤى والأحلام* ص٧١📗
(110)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
*ازرع في الناس أملا وفألا حسنا*
كن مفتاحا للأمل في حياة من حولك وبشر وذكّر برحمة الله وسعة فضله وحسن تدبيره. فقد تأتيك نفس أثقلتها الهموم فلا تزدها يأسا بكلماتك وقطع سبيل الأمل…بل قل لها ما يفتح أبواب الرجاء ويقوي حسن الظن بالله وما يدخل الأمل. وكان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن فقال: «ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة». فرب كلمة طيبة أحيت قلبا وجعلته يستمر في بلوغ ما يريده…ورب بشارة صادقة أعادت لإنسان عزيمته.فانشر التفاؤل وازرع الرجاء وكن ممن إذا جلس إليه الناس قاموا وهم أحسن ظنا بالله وأقوى أملا فيما عنده بعد الله.✍🏻 أبو المنذر عمار الحوباني
(109)نصائح ودرر الشيخ أبي المنذر عمار الحوباني
*الدعاء في ظهر الغيب لمن نحب خير هدية*
من أحب أحدا فليكثر له من الدعاء في ظهر الغيب، فإنه من أصدق علامات المحبة وأعظم صور الوفاء لأنك تدعو له وأنت لا تنتظر منه جزاء ولا شكورا. قال النبي ﷺ: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك: آمين ولك بمثل». فما أجمل أن يكون لأحبابك نصيب من دعائك في صلاتك وخلواتك فإن الدعاء الصادق يوثق المحبة ويجمع القلوب ويكون سببا في نزول الخير والبركة على الداعي والمدعو له.
✍🏻 أبو المنذر عمار الحوباني.































































