أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوى أو لرشوة أو لخوفٍ أو لمصلحةٍ دنيوية، مع إقراره بوجوب الحكم بما أنزل الله واعترافه بخطئه، فهذا كفر أصغر لا يخرج من الإسلام، وهو معنى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما: كفر دون كفر.
ومن أدلة هذا التفصيل أن الله تعالى فرّق في سورة المائدة بين ثلاثة أوصاف لمن لم يحكم بما أنزل الله؛ فقال في الآية 44:*﴿ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤ ﴾* ، ثم في الآية 45:*﴿ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥ ﴾* ، ثم في الآية 47: *﴿ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤٧ ﴾* ، فدلّ اختلافُ الخواتيم على تنوّع أحوالهم ودرجات ذنبهم؛ فمنهم الكافر الكفر الأكبر، ومنهم من ظَلَم بترك الحقّ، ومنهم من فَسَق بمعصية دون كفرٍ مخرج، وهذا التفصيل هو منهج السلف في فهم النصوص، جمعًا بين الدلائل، وتوفيقًا بين نصوص الوعيد والإيمان.
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ:*«تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ»* رواه البخاري، برقم: (18)، ومسلم، برقم: (1709).
فجعل ﷺ أمر العصاة راجعًا إلى مشيئة الله، ولم يخرجهم من الإسلام، وهذا يهدم أصل الخوارج من أساسه.
فمذهب السلف: أن الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، فلا يزول كله بذنب غير الشرك، بخلاف قول الخوارج الذين جعلوا الذنب ناقضًا للإيمان جملةً.
*فالحاصل:* أن الخلل عند الخوارج منهجي في الفهم قبل أن يكون في النية، إذ لم يردّوا المتشابه إلى المحكم، فحملوا نصوص الوعيد على غير وجهها، وظنّوا أن الوعيد يقتضي الكفر المطلق، فزلّت أقدامهم في أصل الدين، ولو جمعوا بين النصوص كما فعل السلف لعلموا أن الكبيرة لا يُخرج صاحبه من الإسلام، وأن الحكم بالكفر لا يُطلق إلا بشروط وضوابط بيّنها العلماء.
وهكذا كان انحرافهم في باب التكفير منشأ فسادهم كلّه، حتى سفكوا الدماء واستباحوا المحرّمات بزعم تحكيم الشريعة، وما خالفوا الشريعة إلا من حيث لا يشعرون.
وعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ قال: قال رسول الله ﷺ:*«أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ»* أخرجه مسلم، برقم: (185).هذا الحديث أصل في إثبات الشفاعة، وخروج عصاة الموحدين من النار، وهو ردٌّ واضح على الخوارج الذين أنكروا الشفاعة للمذنبين، وجعلوا مرتكب الكبيرة خالدًا في النار، فعارضوا نصوص الرحمة والفضل، وجعلوا الله لا يغفر لمن يشاء، فكان مذهبهم أقرب إلى القنوط من رحمة الله منه إلى العدل.
*والخلاصة:* انحراف الخوارج في باب التكفير هو من أعظم انحرافاتهم وأخطرها على الأمة، لأنه الباب الذي جرّهم إلى سائر الضلالات: سفك الدماء، والطعن في العلماء، والخروج على الأئمة. وقد جمع النبي ﷺ حقيقتهم في قوله:*«يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»* أخرجه البخاري، برقم: (3610)، ومسلم، برقم: (1064) عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ.
فمن لم يضبط باب التكفير بضوابط الشرع وقع فيما وقعوا فيه، ولو تسمّى بغير اسمهم، والنجاة من هذا الانحراف لا يكون إلا بالتعلم عن العلماء، والرجوع إلى فهم السلف، والتثبت في إطلاق الأحكام على الناس، إذ الخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في التكفير.
📖 من كتاب:إعلان النكير على جماعة التفجير والتكفير
📄 الصفحة: 6📖































































