كتاب
» «سبيل الفلاح في فقه الصلح والإصلاح
للشيخ المبارك أبي المنذر عمار بن عبدالجليل الحوباني
حفظه الله تعالى
» «سبيل الفلاح في فقه الصلح والإصلاح
للشيخ المبارك أبي المنذر عمار بن عبدالجليل الحوباني
حفظه الله تعالى
*يقول السائل:*
يا شيخنا الحبيب نحن نشغل طوال الأسبوع بالدنيا فنتمنى نستغل الجمعة بطاعة الله فهل يمكن أن تذكر لنا ماهي الأعمال الصالحة التي نقوم بها يوم الجمعة جزاك الله الجنة.
*الجواب والله الموفق للصواب*
. بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلو عباده أيهم أحسن عملاً، وجعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأمر فيها بذكره وطاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أخي الكريم، اعلم أن العبد إذا شُغل بالدنيا طوال الأسبوع فليس ذلك حرامًا، فإن الله تعالى قال:
*﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾* [الجمعة: 10].
لكن الخطر أن تتحول الدنيا إلى أكبر الهمّ ومبلغ العلم، فينسى العبد نصيبه من الآخرة. قال النبي ﷺ:*«مَن كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة»* صححه الألباني.
فالواجب على المسلم أن يعلم أن العمر قصير، وأن الدنيا مهما طالت فهي إلى زوال، قال تعالى:
*﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾* [آل عمران: 185]، وقال سبحانه:*﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ﴾* [الحديد: 20].
فينبغي للمؤمن أن يجعل أوقاته كلها عامرة بالطاعة، فلا يكتفي بيوم الجمعة، بل يحافظ على صلاة الجماعة في سائر الأيام، ويُكثر من ذكر الله، وتلاوة القرآن، والدعاء، وصلة الأرحام، والصدقات، ونوافل العبادات. قال ﷺ:*«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»* رواه مسلم.
*أما الأعمال الصالحة يوم الجمعة*
أما يوم الجمعة، فهو يوم عظيم فضّله الله تعالى على سائر الأيام، وفيه خصال وفضائل كثيرة، ومن أعظم الأعمال فيه:
1. الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب
قال النبي ﷺ:*«غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»* رواه البخاري ومسلم.
2. التبكير إلى المسجد
قال ﷺ:*«مَن اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة…»* الحديث رواه البخاري ومسلم.
3. الإنصات للخطبة وحضور الصلاة بخشوع
قال ﷺ:*«إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت»* رواه البخاري.
4. كثرة الصلاة على النبي ﷺ
قال ﷺ:*«إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ»* رواه أبو داود وصححه الألباني.
5. قراءة سورة الكهف
قال ﷺ:*«مَن قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين»* رواه الحاكم وصححه الألباني.
6. تحري ساعة الإجابة
قال ﷺ:*«فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه»* رواه البخاري ومسلم. وأقوى الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر.
*خلاصة النصيحة*
يا أخي الكريم، لا تجعل الدنيا تستغرقك حتى تُضيّع عمرك، ولكن اجعلها مطية للآخرة، وخذ منها ما يعينك على طاعة الله. اجعل قلبك معلقًا بالآخرة، واعمر سائر أيام الأسبوع بالصلاة والذكر والقرآن والصدقات، فإذا جاء يوم الجمعة فزد فيه من الطاعات، فهو عيد المسلمين، وفيه من الفضائل ما ليس في غيره. وبذلك تكون من الرابحين الفائزين، الذين جمعوا بين عمارة الدنيا بما أباح الله، وعمارة الآخرة بما يرضي الله.
✍🏻أبو المنذر عمار الحوباني.
الجمعة 20 ربيع الاول 1447ه
*ياشيخ كيف أقنع أختي بأن جامعة الإختلاط حرام* وفيها مفاسد عظيمه
وهي ترا أن الإختلاط لطلب العلم الدنيوي جائز*
وأنا أخاف أن أنصحها ؛ لانها بتسبب مشاكل مع البيت
وأمي وأبي متساهلين في الأمر
أريد كلمة منك بأن أنصح لها في الدليل الأثري، والدليل النظري؟
*الجواب*
*. بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله الذي شرع لعباده ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد
*أولًا: أصل الدعوة والرفق*
يا أخي بارك الله فيك، اعلم أن النصيحة لا تُثمر إلا إذا خرجت من قلبٍ رحيم. قال الله عز وجل ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران 159. فانظر كيف جعل الله اللين سببًا في اجتماع القلوب، وجعل الفظاظة سببًا في النفور.
وقال النبي ﷺ:*«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»* رواه مسلم. والمعنى أن كل أمرٍ تُدخله بالرفق زانه الله وجمّله، وإذا نزعت الرفق منه قبح وتشوه.
إذن ابدأ مع أختك بكلمة محبة وشفقة، لا بكلمة أمرٍ وغلظة. لتشعر أن نصيحتك غيرةٌ عليها، لا حجرٌ على حريتها.
*ثانيًا: طريقة الإقناع*
قل لها يا أختي، إن العلم شرف، والدين لا يمنعك من طلبه، ولكن شرطأن يكون علما ينفعك في الآخرة أما علوم الدنيا فمآلك لأن تتزوجي فتكوني ربة بيت في ظل رجل هو من يعولك هذا هو الأصل فلماذا تجهدين نفسك ومااذي انتفعت به كثير من البنات الدارسات بشهاداتهن سوى ضياع الوقت
الجامعات فيها شرور عظيمة الغاية لا تبرر الوسيلة
واقرئي معي قوله تعالى *﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾* الإسراء 32. لم يقل لا تزنوا فقط، بل قال ولا تقربوا، أي سدّ كل باب يؤدي إليه. فكيف نرضى بجامعةٍ يفتح بابها على الخلوة والمخالطة والنظر والضحك والمزاح.
وذكّرها بحديث النبي ﷺ:*«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»* متفق عليه. فحبب إليها العلم الشرعي، حتى تعلم أن الفقه في الدين أشرف العلوم وأبقاها نفعًا.
*ثالثًا: المفاسد في الجامعات المختلطة*
1. إطلاق البصر: قال تعالى *﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾* النور 30. وقال بعدها مباشرة *﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾* النور 31. فبيئة ممتلئة بالنظر والاختلاط تجعل الغضّ صعبًا.
2. الخلوة والاختلاط: قال النبي ﷺ:*«لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم»* متفق عليه. وهذا في لحظات قليلة، فكيف بالدراسة يومًا بعد يوم.
3. ذهاب الحياء: قال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير» متفق عليه. والاختلاط المتكرر يضعف الحياء شيئًا فشيئًا، والحياء شعبة من الإيمان.
4. تشبه بالغرب: وهذه تقليدٌ مذموم، قال ﷺ:*«من تشبه بقوم فهو منهم»* أبو داود.
ولهذا شدّد الشرع في التفريق بين الرجال والنساء حتى في أقدس موطن وهو الصلاة، فجعل خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها كما في صحيح مسلم، ليبقى الستر والبعد محفوظًا. فإذا كان هذا في المسجد، فالتعليم الدنيوي أولى وأوجب.
*رابعًا: التعامل مع الوالدين*
إياك أن تُقابل تساهل والديك بالشدة أو العقوق. قال الله تعالى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ لقمان 15. فإذا كان مع الكفر تُؤمر بالصحبة بالمعروف، فكيف في مسألة اجتهاد أو تساهل.
أدِّ حق البر، وبيّن لهم الحكم بالرفق.
*خامسًا: إن عجزت*
إذا بذلت جهدك ولم تُفلح، فلا تُحوّل البيت إلى ساحة خصام. قال تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ القصص 56. فادعُ الله لها ، وأعد النصيحة على فترات، بلا جدال ولا عنف، وليكن قلبك رفيقًا ولسانك ناصحًا.
بهذه بإذن الله تصلح أمورك
هذا مختصر الجواب والحمد لله
✍🏻أبو المنذر عمار الحوباني.
الخميس 19 ربيع الاول 1447ه
» «الهدى والضياء في فقه التعامل مع الأبناء
للشيخ المبارك أبي المنذر عمار بن عبدالجليل الحوباني
حفظه الله تعالى
» «حقوق وآداب تتحلى بها الزوجة
للشيخ المبارك أبي المنذر عمار بن عبدالجليل الحوباني
حفظه الله تعالى
يا شيخنا ما معنى عبارة
اذا أردت تعرف منزلتك عند الله انظر اين وضعك الله؟
*الجواب بارك الله فيك*
هذه الجملة مأخوذة من كلام بعض السلف، ومعناها باختصار: أن منزلة العبد عند الله تُعرف من خلال الحال الذي أقامه الله فيه، وما يسّره له من عمل ودعوة وخدمة للدين أو انشغال بالدنيا.
فإن رأيت الله يفتح لك أبواب الطاعة، ويقرّبك من العلماء والصالحين، ويحبب إليك الذكر والقرآن، فهذا دليل على محبة الله ورفعة منزلتك عنده.
وإن رأيت نفسك في غفلة، أو منشغلًا بما لا ينفع، فهذه علامة على بعدٍ ونقص، والواجب أن تسارع بالتوبة والرجوع إلى الله.
فإذن معنى عبارة بعض السلف: "إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله، فانظر في أي أمر أقامك"
أي: هل أقامك في طاعته أم في معصيته، في خدمة العلم والدين أم في خدمة الهوى والشهوات. فبقدر قربك من طاعة الله تكون منزلتك عنده.
ومن الأدلة على هذا القول
قول الله تعالى في شأن المنافقين الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك:
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46].
وجه الاستدلال
لو كان في قلوبهم إرادة صادقة للخروج في سبيل الله، لأعدّوا العُدّة.
لكن لما لم يرد الله لهم الخروج، كره انبعاثهم وحرَمهم التوفيق، فظهر أثر ذلك في تركهم العدة والقعود مع المتخلفين.
وهذا يبين أن توفيق العبد للطاعة أو خذلانه عنها علامة على منزلته عند الله.
ربطها بالقاعدة
فالعبد إذا رأى الله قد فتح له باب الطاعة، وشرح صدره للعمل الصالح، وأعانه على القيام به، فليحمد الله، فإنها علامة على رضاه.
وإذا رأى تثبيطًا وصرفًا عن الطاعات، فليخَفْ أن يكون ذلك من مقت الله له، فيبادر بالتوبة والرجوع.
✍🏻أبو المنذر الحوباني
صبيحة الجمعة 13 ربيع الاول 1447ه
فتوى مختصرة
السؤال:
. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، .
يا شيخ لي في السعودية ثلاث سنوات، وقد عرفت المنهج السلفي منذ تسعة أشهر. جاءتني العزيمة في طلب العلم عند الشيخ يحيى الحجوري حفظه الله، لكن تراودني المخاوف، ويثبّطني بعض الأقارب والأصدقاء ويقولون: طلب العلم لا يُطعم ولا مستقبل فيه. فتأتيني الوساوس والفتور مع كثرة الفتن والشهوات فبماذا تنصحني؟
---
الجواب:
الحمد لله الذي شرّف طلب العلم، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، ورفع أهله درجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد…
أيها الأخ المبارك، لقد سرّني سؤالك، وهو دليل على حياة قلبك وحبك للخير، وأسأل الله أن يشرح صدرك للهدى، ويثبّتك على الحق، ويجعلك من طلبة العلم الصادقين المخلصين.
*📌 أولًا: لا يخفاك فضل طلب العلم*
وأنه من أجلّ القُرَب وأعظم الطاعات بعد الفرائض. قال النبي ﷺ:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» 📚 رواه مسلم.
وقال ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء» 📚 رواه أبو داود والترمذي.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:9].
*📌 ثانيًا: لا مستقبل أعظم من العلم*
الناس يظنون أن المستقبل في المال والوظائف، لكن الله تعالى قال:﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:46].
وقال ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ… ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:14].
وقال﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185].
﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:60].
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11]
فالمستقبل الحق هو في العلم والعمل، لا في المال والزينة الفانية.
*📌 ثالثًا: شبهات الأقارب والمثبطين*
قولهم: "طلب العلم لا يأتي برزق ولا مستقبل فيه" مردود؛ لأن الرزق بيد الله وحده. قال تعالى:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:6].
وقال النبي ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» 📚 الترمذي.
فلا تجعل ضعف يقين الناس سببًا في وهن عزيمتك؛ فإن رزقك مضمون، ولن يمنعك منه طلب العلم، بل يجلب لك البركة.
*📌 رابعًا: لا مخرج من الفتن إلا بالعلم*
لقد كثرت الفتن والشهوات، ولا نجاة منها إلا بالعلم. قال الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:103].
وقال النبي ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي» 📚 الحاكم وصححه الألباني.
والعلم هو النور الذي تميز به بين الحق والباطل، فلا يثبت في زمن الفتن إلا من حمل العلم وعمل به.
*📌 خامسًا: قدوة طلاب العلم حول الشيخ يحيى حفظه الله*
انظر إلى طلاب العلم الذين يجلسون بين يدي الشيخ يحيى الحجوري – حفظه الله – جاؤوا من مشارق الأرض ومغاربها:
من أمريكا، بلد المال والدنيا.
من فرنسا، بلاد الشهوات.
من روسيا.
من بريطانيا.
ومن سائر بلاد أوروبا وغيرها.
تركوا أوطانهم وزخارف الدنيا خلفهم، وجاؤوا لله، يعيشون عيش السلف في بساطة وفقر، لكنهم وجدوا لذة لا يعرفها أهل الدنيا: لذة العلم، لذة البعد عن الفتن، لذة الثبات أمام الشهوات.
هؤلاء صدقوا مع الله فصدقهم، فحفظهم من الفتن، وثبّتهم على الطريق.
*📌 سادسًا: علاج الوسواس والفتور*
أكثر من الدعاء: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا».
صاحِب أهل الهمم العالية من طلاب العلم، وابتعد عن المثبطين.
اجعل لك وردًا من القرآن، فإن فيه نورًا وهداية.
تذكر أن الإمام أحمد صبر على الضرب والسجن لأجل العلم، فما وهن ولا ضعف.
*✦ الخلاصة*
الزم طلب العلم، فهو طريقك إلى الجنة.
لا مستقبل أعظم من العلم، فهو الباقي، أما المال والدنيا فزينة زائلة.
لا مخرج من الفتن إلا بالعلم.
لك في طلاب العلم الذين تركوا الدنيا لله أعظم قدوة.
اصبر على طريق العلم، فإنه طريق الأنبياء، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
✍🏻 أجاب عنه
أبو المنذر الحوباني
١٢ربيع اول ١٤٤٧ه
*جواب على سؤال سيأتي نصه وفي الجواب عليه نصيحة مهمة لكل من يقيم في بلاد الكفار*
*نص السؤال*
. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
*أنا شاب مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية توظفت في شركة بتبيع أراجيل وفحم وسجائر إلكترونية. ومعسل وكافة مستلزمات الأراجيل. أنا فقط أريد حكم الدين في هذا الشغل. مع الدليل مع مراعاة أنه أنا في بلد غير مسلم الله يعطيك العافية*
………………………………………
*الجواب والله الموفق للصواب*
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحياك الله أخي….
لا يجوز العمل في شركةٍ نشاطها بيع الأراجيل (الشيشة) والمعسل والفحم الخاص بها والسجائر الإلكترونية ومستلزماتها؛ لأن هذه الأشياء محرمة الاستعمال أو مُؤذية ضارة، والعمل فيها إعانةٌ على الإثم، والقاعدة: “ما حَرُمَ استعمالُه حَرُمَ بيعُه وأُجرتُه، والوسائل لها أحكام المقاصد”. ولا يتغيّر الحكم لكونك في بلد غير مسلم.
*الدليل والتعليل الشرعي على ذلك ما يلي:*
1. النهي عن الإعانة على الحرام
قال الله ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).
من يبيع أو يسوّق أو يورّد ما يُستعمل في معصية، فقد أعان عليها.
2. تحريم الخبائث
قال الله ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: 157).
الدخان والمعسل ونحوها من الخبائث الضارة لا من الطيبات.
3. النهي عن إهلاك النفس وإيقاع الضرر
قال الله ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195)،
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29).
والتدخين (السجائر الإلكترونية) ثبت ضررهما طبيًّا وإدمانهما، فهما داخلان في الإتلاف والضرر.
4. قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”
قال ﷺ:*«لا ضرر ولا ضرار»*.
وما كان إضرارًا بالنفوس والأنفس، حُرّم استعماله وبيعه والإعانة عليه.
5. تحريم ثمن المحرّم
قال ﷺ: «إن الله ورسوله حَرَّمَ بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنام» البخاري ومسلم.
وقال ﷺ: «إن الله إذا حَرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثمنَه» (رواه أحمد وأبو داود وغيرهم.
فإذا كان الشيء محرّمًا لاستعماله الضارّ أو الخبيث، حرُم ثمنه والاتّجار به.
6. النهي عن كل مُسكِرٍ أو مُفَتِّر
قال ﷺ: «نهى عن كل مسكرٍ ومُفَتِّر» أبو داود.
والمُفتِّر: ما يُورث الفتورَ والخللَ في البدن والنَّفس ويُذهِب القوة، وهذا المعنى حاضر في منتجات التدخين بأنواعها.
7. سدُّ الذرائع
العمل في توريد الفحم الخاص بالشيشة ومستلزماتها وسيلة مباشرة لاستعمالها في الحرام؛ والوسائل تأخذ حكم مقاصدها.
*تنبيه مهم:*
بيع هذه الأشياء لغير المسلمين أيضًا لا يبيحه؛ لأن العلّة (الضرر والخبث) لا تختصُّ بالمسلم دون غيره، كما لا يجوز بيع الخمر لغير المسلم مع أنها محرّمة في ذاتها.
ماذا تفعل الآن عمليًا يا أخي المسلم الكريم؟
اذجرك بهذا الحديث قال النبي ﷺ:«إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا بدّلك الله به ما هو خير لك منه»صححه الألباني.
هذا نص صريح أن من ترك الحرام ابتغاء وجه الله، عوّضه الله بخير عاجل وآجل.
وقال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
التقوى بترك الحرام سببٌ للرزق من أبواب لا تخطر على البال.
قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
من اتقى الله بترك المحرمات، نال معية الله الخاصة بالنصر والتأييد والرزق.
*الخلاصة يا أخي الكريم:*
، لا يغرّك بريق المال، فإن الله وعدك وعدًا صادقًا: إذا تركت عملك الحرام لله، فإنه سبحانه سيبدلك خيرًا منه، ويعوضك رزقًا حلالًا طيبًا، ويبارك لك فيه، بل ويجعل معك معونته وتوفيقه.
ابحث عن بديلٍ حلال بأسرع ما تستطيع، وكن واثقًا أن الرزق على الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6).
*وهنا تنبيه مهم ونصيحة محتمة لك ولغيرك اخي الكريم ممن يقيم في بلاد الكفار*
أخي الكريم… زادك الله حرصًا على سؤالك لما ينفعك في دينك، وأسال الله أن يرشدك سواء السبيل.
اعلم ـ بارك الله فيك ـ أن الإقامة في بلاد الكفار مع القدرة على الهجرة إلى بلد مسلمٍ من أعظم المخاطر على دين المسلم ودنياه، وقد جاء الشرع بوجوب مفارقة تلك البلاد لمن استطاع، لأن بقاءه بينهم ذلٌّ لدينه، وفتنةٌ لقلبه، وتشبهٌ بأعداء الله.
*ومن الأدلة على وجوب الهجرة من بلاد الكفر ما يلي*
1. قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:97].
هذا بيان من الله أن من عذر نفسه بالبقاء بين ظهراني الكفار مع القدرة على الخروج، مأواه جهنم، والعياذ بالله.
2. قول الله تعالى
:﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:100].
وعد الله المهاجر بالسعة في الدين والدنيا، وجعل أجره ثابتًا حتى لو مات في الطريق.
3.قول النبي ﷺ:
«أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» 📚 رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.
هذا وعيد شديد، وفيه تبرؤ النبي ﷺ من المسلم الذي يرضى أن يعيش بين الكفار بلا عذر ولا ضرورة.
*📌 الخلاصة والنصيحة في هذا الباب*
الهجرة من بلاد الكفر واجبة على من استطاع السبيل إليها، ما لم يُضطر اضطرارًا مؤقتًا (لعلاج، أو دراسة محدودة، أو حاجة عابرة) مع حفظ دينه وبالشروط المعتبرة التي ذكرها العلماء.
ومن لم يستطع الهجرة لعجزٍ حقيقي (كضعف، أو عدم وسيلة) فهو داخل في الاستثناء:
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء:98].
فالواجب عليك ـ ما دمت حريصًا على دينك ـ أن تجعل الهجرة إلى بلاد الإسلام من أول أهدافك، وتبذل جهدك في ذلك، مع دعاء الله بصدق أن ييسّر لك الأمر، فالدين أعظم من الدنيا وما فيها والإنسان لا يدري متى يفجأه الأجل.
✍🏻أجاب عنه أبو المنذر عمار الحوباني.
شحوح…سيئون.. حضرموت.. 12ربيع أول.. 1447من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
*✉️ جواب على سؤال*
. بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد…
الجواب عن سؤالك حول: هل الإثم في مكة والمدينة مثل أجر الصلاة فيهما من حيث المضاعفة؟
*📌 أولًا: أجر الصلاة في الحرمين*
قال النبي ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» 📚 البخاري (1190) ومسلم (1394).
وقال ﷺ: «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» 📚 ابن ماجه (1406) وأحمد وصححه الألباني.
وقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:26].
➡️ فالأجر يتضاعف في الحرمين مضاعفة عظيمة بفضل المكان.
*📌 ثانيًا: هل السيئة تتضاعف؟*
قاعدة الشرع: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، قال الله:
﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:160].
لكن الذنب في الحرم أعظم إثمًا لحرمة المكان، قال تعالى:
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:25].
وقال بعض السلف: "لأن أصيب سبعين خطيئة بغير مكة أحب إليّ من أن أصيب واحدة بمكة" 📚 .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:28]، وهذا دليل على شدة تعظيم الحرم.
*📌 ثالثًا: النصوص في تغليظ الإثم بالحرم*
قال النبي ﷺ: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها» 📚 البخاري (1832) ومسلم (1353).
وقال ﷺ: «لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا» 📚 البخاري (1833) ومسلم (1355).
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي ميلًا عن الحق، قال مجاهد: "ولو بشتمٍ فيه"
وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج:30].
*📌 رابعًا: الفرق بين مكة والمدينة*
مكة: النص القرآني صريح في تغليظ الذنب فيها (الحج:25).
المدينة: قال ﷺ: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يُقطع عضاهها ولا يُصاد صيدها» 📚 مسلم (1362).
وقال ﷺ: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» 📚 مسلم (1362).
➡️ فالمعصية في مكة أعظم، لكنها في المدينة كذلك مغلظة لحرمة البقعة.
*📌 خامسًا: الخلاصة*
الحسنات في مكة والمدينة تضاعف مضاعفة عظيمة.
السيئات لا تضاعف في العدد، لكنها تُعظّم في الإثم وتشتد في الوزر لشرف المكان.
أعظم مثال على ذلك: لو أن رجلًا ألحد في الحرم، أو طلب دم امرئ فيه، أو أراق دمًا، أو آذى أحدًا، فجرمه عند الله أشد من مثله في غير الحرم.
قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32].
✍🏻 أجاب عنه
أبو المنذر الحوباني.
12 ربيع الاول 1447ه
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا طالب علم أجد في نفسي رغبة في طلب العلم، ولكن عندي رغبة أشد في الدعوة إلى الله، وكتابة الكتيبات، وبيان مسائل الحلال والحرام التي يقع فيها الناس، والتحذير من الحزبيات وأهلها، وأجد في ذلك لذة أكثر من لذة طلب العلم، وقد بدأت أنشر في وسائل التواصل. فما نصيحتكم لي؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أولًا: الدعوة إلى الله عبادة عظيمة، لكن لابد أن تكون على بصيرة
كما قال تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:108].
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:125].
وقال النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» 📚 رواه البخاري (71) ومسلم (1037).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
ثانيًا: الكلام على الله بغير علم من أعظم المحرمات
، قال تعالى:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:169].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:36].
وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ … وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33].
وقد قال ابن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم".
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
ثالثًا: نصيحتي لك أن تجعل عنايتك الكبرى بطلب العلم، فهو الأصل، ثم تدعو بما تعلم يقينًا، كأصول التوحيد، والتحذير من الشرك والبدع، وما ثبتت به الأدلة. أما الفتيا المفصلة والمسائل الدقيقة فدعها لأهل العلم الراسخين.
قال النبي ﷺ: «بلغوا عني ولو آية» 📚 رواه البخاري (3461).
وقال ﷺ لمعاذ حين بعثه: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» 📚 رواه البخاري (1458) ومسلم (19).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
رابعًا: لا حرج أن تكتب وتنشر، لكن اجعل كتابتك مبنية على النقل من كلام العلماء، لا على مجرد الرأي، فإن الدعوة بالتقليد المأمون خير من الدعوة بالاجتهاد المجهول
.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الخلاصة:
رغبتك في الدعوة طيبة، لكن لا تُقدّمها على طلب العلم، بل اجمع بينهما، وقدِّم العلم لتكون دعوتك على بصيرة. وابدأ بما تعلم يقينًا، تكتب وتنشر وتنصح، مستندًا إلى كلام الأئمة والعلماء، حتى يبارك الله فيك ويجعلك من الدعاة إلى سبيله على هدى ونور.
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11].
وقال ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء» 📚 رواه أبو داود (3641) والترمذي (2682).
✍🏻
أجابه عنه أبو المنذر عمار الحوباني.
الخميس 12 ربيع الاول 1447ه
*الحواب والله الموفق*
. بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
*إلى هذا الأخ الذي يسأل عن الموقف الشرعي إذا اعتُدي عليه بالضرب: هل يقابل الضربة بمثلها، أم يصبر ولا يدافع؟*
*فأقول:*
*أولًا: بيان الحق المشروع*
إن ديننا دين العدل والرحمة، لم يرضَ بالظلم ولا بالعدوان، قال الله تعالى:﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
وقال سبحانه: *﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾* [الشورى: 41].
فهذان النصان صريحان في جواز ردّ الاعتداء بمثله، بلا زيادة ولا تعدٍّ.
*ثانيًا: فضل العفو وكظم الغيظ*
مع أن الردّ مباح، إلا أن الله تعالى رغّب في العفو، فقال *﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾* [البقرة* : 237].
وقال جل شأنه: *﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾* [الشورى: 43].
وجاء في الحديث الصحيح:
«ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا» 📚 رواه مسلم.
وقال ﷺ في وصف أهل الجنة: «كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره» 📚 رواه مسلم.
وقال ﷺ: *«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»* 📚 رواه البخاري ومسلم.
فهذه النصوص تُظهر أن الصبر والعفو طريق العزّ والرفعة عند الله.
*ثالثًا: مشروعية الدفاع عن النفس*
إذا كان الاعتداء يهدد حياتك أو عرضك أو مالك، فدفعه مشروع بل واجب، قال النبي ﷺ:
«من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد» 📚 رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني.
وفي الحديث الآخر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله». قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» 📚 رواه مسلم.
فهذه الأحاديث تبين أن الدفاع عن النفس حقّ مشروع، لكن بالقدر اللازم دون بغي أو ظلم.
*رابعًا: التفريق بين الانتقام والغضب لله*
إن كان ردّك للضرب انتقامًا للنفس، فالعفو أفضل وأعلى أجرًا.
وإن كان ردّك لحماية نفسك أو أهلك أو لردع الباغي، فهو جائز وقد يكون واجبًا.
*
خلاصة الجواب*
يا أخي أن الإسلام أباح لك أن ترد الضربة بمثلها، وأرشدك أن العفو أعظم أجرًا وأعلى منزلة. فإذا قدرت على الصبر فلك الأجر العظيم، وإن خشيت على نفسك أو أهلك من أذى شديد، فلك أن تدفع المعتدي بما يندفع به ظلمه، لكن دون تجاوز.
واعلم أن رسول الله ﷺ كان أحلم الناس وأصبرهم، لا ينتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله، فيغضب لله لا لنفسه. فاقتدِ به في صبرك وعفوك، فإذا اضطررت إلى الدفاع فاجعله لله وبالحق والعدل.
✍🏻 أجاب عنه
أبو المنذر الحوباني.
الخميس 12 ربيع الاول 1447ه
*سائل يقول*:-
`يا شيخ أنا رجل قلبي يشهد له الجميع أنه طيب ويعفو ويصفح ولكن الناس يتجرؤون علي وأنا لا أستفيد درسا من الحياة ولا أدري كيف أتصرف فهلا أرشدتموني رحمكم الله وغفر لنا ولكم.```
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
`
فجوابا على طلبك أقول بعون الله وتوفيقه`:
*أولًا:* القلب الطيب السليم هو أغلى ما يملكه العبد، وقد أثنى الله على أهل الإيمان بقوله:
*﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾* [الشعراء: 88-89].
فالقلب السليم من الغلّ والحقد والحسد هو سبب النجاة يوم القيامة. وقال ﷺ:*«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»* [متفق عليه].
*ثانيًا:* إذا أثنى الناس على طيبك وحُسن خلقك، فهذه من عاجل بُشرى المؤمن في الدنيا، كما قال ﷺ:*«إذا أثنى عليكم الناس بخير فذلك عاجل بُشرى المؤمن»* [رواه مسلم]. وفي الحديث الآخر:*«أنتم شهداء الله في الأرض»* [متفق عليه]. فهذه شهادةٌ عظيمة، لا تأتي عبثًا، وإنما هي ثمرة صدق النية وصفاء الطوية.
*ثالثًا:* العفو من أشرف الأخلاق:
قال تعالى:*﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾* [الشورى: 40].
وقال سبحانه:*﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾* [النور: 22].
وقال ﷺ:*«ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا»* [رواه مسلم].
فمن عفا رفعه الله وأكرمه، وجعل في قلوب العباد محبته.
*رابعًا:* كيفية التعامل مع المسيء ويكون بأمور:
1…الحلم عند الجهل:*﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾* [الفرقان: 63].
2…رد السيئة بالحسنة:*﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾* [فصلت: 34].
3...التفريق بين العفو والذل: العفو عند المقدرة شرف، أما السكوت عن الحق خوفًا أو ضعفًا فليس محمودًا. قال عمر رضي الله عنه: «لستُ بالخبّ ولا الخبّ يخدعني»، أي: لست مخادعًا، ولا أسمح لأحد أن يخدعني.
4…النصيحة بالمعروف: فقد قال ﷺ: «الدين النصيحة» [رواه مسلم].
*خامسًا:* الاستفادة من دروس الحياة يكون بأمور:
1…اعتبر ولا تُغفل: كل موقف هو درس، إن وعيتَه زدت حكمة.
2…كن طيبًا فطنًا لا ساذجًا: قال ﷺ:*«لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»* [متفق عليه]. فالطيب الحق يجمع بين حسن الخلق وحسن الفطنة.
3…اصنع لنفسك درعًا من التجارب: فكما يُصقل الحديد بالنار، تُصقل النفوس بالمحن.
*سادسًا:* فضل النية الطيبة
قال ﷺ:*«إنما الأعمال بالنيات»* [متفق عليه]. فالنية الصادقة ترفع العمل العادي إلى عبادة، وتجعل العفو عبادةً وقربة، لا مجرد خُلق دنيوي.
---
فالزم قلبك السليم، واحرص على صفاء نيتك، وداوم على العفو مع قوةٍ وحزمٍ عند الحاجة، تكن عزيزًا في الدنيا، مكرّمًا في الآخرة، محبوبًا عند الله وعباده.
✍🏻 أبو المنذر عمار الحوباني
10ربيع اول1447هجري.
✨ *فراغ الشباب بين الحسرات والحسنات* ✨
*سائل يقول: -*
السلام عليكم شيخنا المبارك
عندي سؤال أرجو أن تجيب عليه تكرمًا جزاك الله خيرًا:
كيف يمكن للشباب استغلال أوقات فراغهم بما ينفع؟
. بسم الله الرحمن الرحيم .
*الجواب: -*
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
إن أوقات الفراغ نعمة من نعم الله يغفل عنها كثير من الناس، وقد قال النبي ﷺ:
🌿 *«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»* [رواه البخاري].
وكل شاب سيسأل عن وقته يوم القيامة كما جاء في الحديث:
🌿 *«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن… عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه…»* [رواه الترمذي].
ولهذا فالواجب على الشاب أن يغتنم فراغه في الطاعات والقربات، قبل أن يتحول إلى حسرة وندامة.
---
وهناك 🔟 وسائل نافعة للشباب في أوقات الفراغ :
1️⃣ طلب العلم الشرعي: حضور حلقات العلم وقراءة كتب التفسير والحديث.
قال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [متفق عليه].
2️⃣ العبادة والطاعة: المحافظة على السنن الرواتب، وقيام الليل، وصيام النوافل.
قال تعالى: *﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾* [البقرة 152].
3️⃣ بر الوالدين وصلة الأرحام: قربة عظيمة وبركة في العمر.
قال ﷺ: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» [متفق عليه].
4️⃣ الصحبة الصالحة: فالمرء على دين خليله.
قال ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل» [رواه أبو داود].
5️⃣ قراءة الكتب النافعة: خصوصًا في السيرة والرقائق، فهي تزيد الإيمان وتوسع المدارك.
6️⃣ حفظ القرآن وتلاوته: شرف الدنيا ورفعة الآخرة.
قال ﷺ: *«خيركم من تعلم القرآن وعلّمه»* [رواه البخاري].
7️⃣ العمل التطوعي وخدمة الناس: من أعظم القربات.
قال ﷺ: *«أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»* [رواه الطبراني].
8️⃣ أن يكون عند الشاب همة وطموح في إقامة دينه ولا يجعل الدنيا أكبر همه.
9️⃣ الدعوة إلى الله: بالكلمة الطيبة، والقدوة الصالحة.
قال تعالى: *﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾* [فصلت 33].
🔟 المحاسبة والتفكر: يراجع نفسه ويخطط لأيامه.
قال عمر رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا».
---
🌸 *الخلاصة*
فراغ الشباب إمّا أن يكون جسرًا للجنة أو سبيلًا للنار. فمن عمره بالطاعة والجد والعمل النافع، فاز في الدنيا والآخرة. ومن ضيعه في اللهو والحرام ندم يوم لا ينفع الندم.
✍🏻 أبو المنذر عمار الحوباني
الثلاثاء 10 ربيع الاول1447ه
✦ *الرد على شبهة منتشرة حول الإحتفال بالمولد* ✦
. بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعلنا من أمة سيد المرسلين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
*تلخيص الشبهة:*
فقد أرسل إليّ بعض الإخوة مقطعًا لأحد المبتدعة، يجيز فيه الاحتفال بالمولد النبوي، ويحتج بقاعدة مبتدعة تقول: "إن ترك النبي ﷺ لأمر من الأمور لا يعني أنه محرم أو مبتدع، بل يدل على الجواز، ولذا فالاحتفال بمولده مباح، لأنه مجرد ترك، والترك لا يدل على المنع."
*فاقول:*
هذه شبهة خطيرة، لو قُبلت ولفتحت أبواب البدع على مصاريعها، ولصار كل من شاء أن يحدث في الدين شيئًا احتج بأن النبي ﷺ تركه فقط!
*فأقول معتمدا على الله الرد على هذه الشبهة من عشرة وجوه:*
*الوجه الأول:*إلزامهم بأن المولد عندهم عبادة أنتم لا تفعلون المولد عادةً اجتماعية، بل تجعلونه عبادة تتقربون بها إلى الله، تجمعون له الأموال، وتبذلون له الأوقات والجهود، وتذكرون فيه الأذكار والمدائح، وتزعمون أنكم تنالون به الأجر. فالواقع أنكم به تتعبدون.
وحين يكون عبادة فالأمر محسوم، لأن العبادة لا تكون عبادة إلا بشرطين:
1- أن يأمر الله بها.
2- أن يثني الله على فاعلها.
وهذا شأن جميع العبادات: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج… كلها جاءت بالأمر وجاء معها الثناء على فاعليها. فنطالبكم بالدليل: أين أمر الله أو رسوله بالاحتفال بالمولد؟ وأين الثناء على فاعليه؟ فإن لم تأتوا بشيء (ولن تأتوا) فقد سقطت حجتكم من أصلها.
*الوجه الثاني:* كمال الدين
قال تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فالدين كامل لا يحتاج إلى زيادة، ولا نقص فيه يُحتاج إلى جبر، فمن زعم أن هناك عبادة فاتت ولم تُشرع إلا بعد القرون المفضلة فقد طعن في كمال الدين.
*الوجه الثالث:* قاعدة الترك مع وجود السبب وانتفاء المانع
الترك هنا ليس إهمالًا، بل تشريع. فإذا وجد السبب وزال المانع ثم ترك النبي ﷺ الفعل، دل على أنه غير مشروع.
وتخصيص يوم مولده ﷺ بالاحتفال سببه موجود (محبته وتعظيمه)، والمانع غير موجود، ومع ذلك لم يفعله، فكان تركه سنة بيانية تدل على أن ذلك بدعة.
*الوجه الرابع:* الفرق بين العادات والعبادات
ترك النبي ﷺ في العادات لا يدل على التحريم، كما في تركه أكل الضب. أما في العبادات، فالأصل التوقيف، وتركه مع وجود السبب دليل على المنع. فالخلط بين البابين تلبيس باطل.
*الوجه الخامس:* أمثلة من ترك النبي ﷺ وأصحابه مع قيام الأسباب
1- ترك الأذان لصلاة العيد والجنائز مع وجود سبب الاجتماع.
2- ترك الزيادة في الصلوات على الخمس مع قيام مقتضي الفضل.
3- ترك المداومة على التراويح جماعة مع القدرة عليها.
4- ترك كتابة البسملة في براءة مع اعتيادها في غيرها.
5- ترك تخصيص الهجرة وبدر والفتح والإسراء باحتفال رغم عظمتها.
فكل هذه شواهد أن الترك سنة كما أن الفعل سنة.
*الوجه السادس:* لوازم باطلة لو قبلنا القاعدة
لو صح قولهم لجاز لكل أحد أن يبتدع ما شاء: احتفالات بليلة الإسراء، بيعة العقبة، غزوة بدر، فتح مكة، بل وزيادة ركعات وأذكار في الصلاة… كل ذلك بحجة أن النبي ﷺ ترك ولم يمنع! وهذا يفتح الباب على مصراعيه لكل بدعة وضلالة.
*الوجه السابع:* أقوال الأئمة
قال مالك: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة."
وقال ابن تيمية: "المداومة على الترك مع وجود السبب وانتفاء المانع سنة."
وقال الشاطبي: "ترك العمل سنة كما أن فعله سنة."
فهذه نصوص قاطعة بأن الترك تشريع مقصود.
*الوجه الثامن:* عمل الصحابة والتابعين
الصحابة أشد الناس حبًا للنبي ﷺ، ومع ذلك ما احتفلوا بمولده ولا خصصوا له يومًا، ولا فعل ذلك التابعون من بعدهم، فكان إجماعهم العملي أقوى رد.
*الوجه التاسع:* سد الذرائع
المولد فتح أبواب الغلو في النبي ﷺ: الاستغاثة به، إنشاد الأشعار المليئة بالشركيات، طلب المدد منه… وهذا يُفضي إلى الشرك الأكبر. والقاعدة أن ما كان ذريعة للباطل حُرم سده للذريعة.
*الوجه العاشر:* مشابهة النصارى
أصل المولد مقتبس من احتفال النصارى بميلاد عيسى عليه السلام، والتشبه بهم في أعيادهم منهي عنه بنص الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم».
*الخلاصة*
القول بأن "ترك النبي ﷺ لا يدل على المنع" قاعدة باطلة، قلبٌ للحقائق، وذريعة لتسويغ المحدثات. والواقع أن المولد عند أهله عبادة، والعبادة لا تصح إلا بأمر وثناء. ولما خلا المولد من الأمر والثناء، وعارضه الترك النبوي والسكوت التشريعي، صار بدعة وضلالة.
فالمحبة الحقيقية للنبي ﷺ تكون بإحياء سنته ونشر هديه والدفاع عن شريعته، لا بابتداع ما لم يشرعه.